وهبة الزحيلي

9

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المهاجرين إليها بالحماية والتكريم ، هربا من أذى المشركين ، ورد هرقل ملك الروم النصارى كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ردا حسنا ، بعد أن حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام ، وكان المقوقس عظيم القبط في مصر أحسن منه ردا ، فأرسل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هدية ، وبعد فتح مصر والشام أسلم كثير من النصارى في تلك البلاد ، لما رأوا في الإسلام من مزايا ، وأسلم أصحمة النجاشي ملك الحبشة مع بطانته ، ولما مات صلّى عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة الجنازة على الغائب ونعاه للناس . وكان سبب مودة النصارى للمؤمنين : أنه يوجد فيهم قسيسون ( علماء ) ورهبان ( عبّاد ) يدعون للإيمان والفضيلة والتواضع ، والزهد والتقشف ، ولا يستكبرون عن سماع الحق والإنصاف وينقادون له ، فوصفهم اللّه بالعلم والعبادة والتواضع ، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتّباعه ، والإنصاف . وإذا سمعوا شيئا من القرآن المنزل على الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بكوا بكاء حارا غزيرا تعاطفا مع كلام اللّه ، وما عرفوا من الحق ، مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم يبادرون لقبول دعوة الإيمان قائلين : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ، والمراد به إنشاء الإيمان والدخول فيه أي آمنا بك وبرسلك وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاكتبنا مع من يشهد بصحة هذا المنزل على الأنبياء ومنهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويشهد لك بالوحدانية . وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة ، كما قال تعالى في خصائص أمة المصطفى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة 2 / 143 ] . ثم أكدوا قولهم فقالوا : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ . . إنكار استبعاد أي ولا مانع يمنعنا من الإيمان باللّه ، واتباع الحق الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونطمع أن يدخلنا ربنا الجنة بصحبة الصالحين أتباع هذا النبي الكريم الذين ثبت لنا صلاحهم وصحة إيمانهم .